سيد محمد طنطاوي
286
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات متقاربة في معناها ، ومن ذلك ما رواه الترمذي عن البراء بن عازب قال : مات ناس من أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وسلم وهم يشربون الخمر . فلما نزل تحريمها قال ناس من أصحاب الرسول صلى اللَّه عليه وسلم فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها قال : فنزلت : * ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) * الآية وعن ابن عباس قال : قالوا يا رسول اللَّه ، أرأيت الذين ماتوا وهم يشربون الخمر « لما نزل تحريم الخمر » فنزلت * ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا ) * الآية . وروى الإمام أحمد من حديث أبي هريرة أنه بعد أن نزل قوله - تعالى - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ والْمَيْسِرُ الآيات ، قال الناس : يا رسول اللَّه ، ناس قتلوا في سبيل اللَّه أو ماتوا على فرشهم ، كانوا يشربون الخمر ويأكلون مال الميسر وقد جعله اللَّه رجسا ومن عمل الشيطان ؟ فأنزل اللَّه - تعالى - : * ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا ) * الآية « 1 » . قال القرطبي : وهذه الآية وتلك الأحاديث نظير سؤالهم عمن مات إلى القبلة الأولى فنزلت وما كانَ اللَّه لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ . ومن فعل ما أبيح له حتى مات على فعله لم يكن له ولا عليه شيء ، لا إثم ولا مؤاخذة ولا ذم ولا أجر ولا مدح ، لأن المباح مستوى الطرفين بالنسبة إلى الشرع ، وعلى هذا فما كان ينبغي أن يتخوف ولا يسأل عن حال من مات والخمر في بطنه وقت إباحتها ، فإما أن يكون ذلك القائل غفل عن دليل الإباحة فلم يخطر له ، أو يكون لغلبة خوفه من اللَّه - تعالى - وشفقته على إخوانه المؤمنين توهم مؤاخذة ومعاقبة لأجل شرب الخمر المتقدم ، فرفع اللَّه التوهم بقوله : * ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا ) * الآية « 2 » . وقال الآلوسي : وقيل إن هذه الآية نزلت في القوم الذين حرموا على أنفسهم اللحوم وسلكوا طريق الترهب كعثمان بن مظعون وغيره والأول هو المختار » « 3 » . وقوله - تعالى - * ( فِيما طَعِمُوا ) * أي : ذاقوا ، مأخوذ من الطعم - بالفتح - وهو تذوق الشيء والتلذذ به ، سواء أكان مأكولا أم مشروبا وهو المراد هنا . قال القرطبي : وأصل هذه الكلمة في الأكل . يقال : طعم الطعام وشرب الشراب لكن قد تجوز في ذلك فيقال : لم أطعم خبزا ولا ماء ولا نوما » « 4 » .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 95 ( 2 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 293 ( 3 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 211 ( 4 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 296